الصقّارة في اليابان

放鷹術 (hōyōjutsu) — أحد أعرق تقاليد الصقّارة الحيّة في العالم، بتاريخ موثّق يمتدّ لأكثر من 1,600 عام.

ما هو الهويوجوتسو؟

«الهويوجوتسو» (hōyōjutsu، 放鷹術) — وتعني حرفيًا «فنّ إطلاق البواز» — هو ممارسة الصقّارة التقليدية في اليابان، بجذور موثّقة تعود إلى فترة Nara (710–794 م). وخلافًا للصقّارة الغربية التي نشأت في المقام الأوّل رياضةَ صيد، تطوّرت الصقّارة اليابانية ممارسةً طقوسيّة عميقة متشابكة مع ثقافة الأرستقراطية والرمزية الروحية والجماليات الطبيعية لفلسفة الـ wabi-sabi.

واليوم يُعترف بالهويوجوتسو تراثًا ثقافيًّا غير مادّي لدى اليونسكو (ضمن الترشيح الدولي الأوسع للصقّارة)، ولا يزال يمارسه مجتمع متفانٍ من الصقّارين في أنحاء اليابان، يحفظون تقنيات وتقاليد تناقلتها أكثر من ستّين جيلًا.

الخطّ الزمني التاريخي

فترة Nara (710–794)

تظهر أقدم السجلّات المكتوبة عن الصقّارة في اليابان في ديوان الشعر Man'yōshū وفي وثائق البلاط الإمبراطوري. وكانت الصقّارة حكرًا على البلاط الإمبراطوري وكبار النبلاء، وتعتمد أساسًا على البواز الشمالية (オオタカ) في صيد الكراكي والطيور المائية ضمن مطاردات إمبراطورية منظّمة تُسمّى «التاكاغاري» (takagari، 鷹狩).

فترة Heian (794–1185)

ترسّخت الصقّارة عميقًا في ثقافة البلاط. وتُشير رواية «حكاية غينجي» (The Tale of Genji) إلى الصيد بالبواز بوصفه هوايةً أرستقراطية راقية. واستُحدثت مناصب متخصّصة داخل البلاط الإمبراطوري لرعاية بواز الإمبراطور، وخُصّصت أراضٍ للصقّارة قرب العاصمة. واكتسبت الممارسة أبعادًا جمالية وروحية متزايدة.

عصر Edo (1603–1868)

بلغت الصقّارة ذروتها المؤسّسية في ظلّ شوغونية Tokugawa. فقد احتفظ الشوغونات بمنشآت صقّارة فخمة تضمّ مئات الطيور وصقّارين محترفين (takajō، 鷹匠). وحكمت لوائح اجتماعية صارمة مَن يحقّ له ممارسة الصقّارة، وأيّ الأنواع يُسمح لكلّ طبقة اجتماعية بتطييرها. كما أنشأت الشوغونية أراضي صيد محميّة بالبواز (otakaba) في أنحاء البلاد.

استعادة Meiji (1868–1912)

كاد إلغاء النظام الإقطاعي والتحديث السريع أن يقضيا على الصقّارة اليابانية. فقد حُلّت منشآت الصقّارة الإمبراطورية والشوغونية، وتفكّكت البنى الاجتماعية التي كانت تسند الممارسة. ولم تنجُ الصقّارة إلّا عبر ممارسين أفراد حافظوا على التقنيات التقليدية بصفة خاصّة.

العصر الحديث (1945–حتى اليوم)

شهدت اليابان بعد الحرب إحياءً تدريجيًّا للصقّارة، وإن على نطاق أصغر بكثير من الحقبة الإقطاعية. وقد تأسّست Japan Falconry Association، أي الجمعية اليابانية للصقّارة (日本放鷹協会)، للحفاظ على التقنيات التقليدية. وفي عام 2010 أُدرجت الصقّارة على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادّي للإنسانية لدى اليونسكو، وكانت اليابان إحدى الدول المرشِّحة. واليوم يمارس الصقّارة في اليابان نحو 300–500 صقّار نشط.

التراث الثقافي غير المادّي لدى اليونسكو

في عام 2010 أُدرجت الصقّارة على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادّي للإنسانية لدى اليونسكو. وكانت اليابان إحدى الدول المرشِّحة الأصلية، اعترافًا بالهويوجوتسو تقليدًا حيًّا يصل الممارسين المعاصرين بقرون من التراث الثقافي. وقد أبرز الترشيح دور الصقّارة في رعاية البيئة ونقل المعرفة بين الأجيال.

الصقّارة اليابانية التقليدية مقابل الحديثة

تُركّز الصقّارة اليابانية التقليدية على الطقوس والوعي بتعاقب الفصول والعلاقة الروحية بين الصقّار وطائره. ويستخدم الممارسون معدّات مطابقة تاريخيًّا — سبوق جلدية مصنوعة يدويًّا، وحبال منسوجة تقليدية، ومجاثم خشبية تُصنع وفق أساليب إقليمية محدّدة. وتُقدّم فلسفة التدريب الانسجام مع الغرائز الطبيعية للطائر.

أمّا الصقّارون اليابانيون المعاصرون فكثيرًا ما يمزجون التقنيات التقليدية بالأدوات الحديثة. فأجهزة التتبّع اللاسلكي GPS تُكمّل عين الصقّار المدرَّبة ولا تحلّ محلّها أبدًا. ويكرّس بعض الممارسين جهدهم حصرًا للحفاظ على الأساليب التاريخية، بينما يتكيّف آخرون بحرّية. ويتعايش النهجان معًا داخل مجتمع الصقّارة الياباني، يجمعهما احترام عميق للطيور وللتقليد.

الإطار القانوني

قانون حماية الحياة البرّية (鳥獣保護法)

التشريع الرئيسي للحياة البرّية في اليابان هو Act on Wildlife Protection, Control, and Hunting، أي قانون حماية الحياة البرّية وإدارتها وترشيد الصيد (鳥獣の保護及び管理並びに狩猟の適正化に関する法律). ويحكم هذا القانون أسر الطيور والثدييات البرّية وحيازتها واستخدامها، بما في ذلك الجوارح المستخدمة في الصقّارة. وخلافًا للنظام الأمريكي، لا توجد في اليابان بنية تصاريح مخصّصة للصقّارة — إذ تندرج الصقّارة ضمن لوائح الصيد العامّة.

تصاريح المحافظات

تُدار تصاريح الصقّارة على مستوى المحافظة لا على المستوى الوطني. ولكلّ محافظة من محافظات اليابان الـ 47 مكتبها الخاصّ لإدارة الحياة البرّية، وهو الذي يعالج طلبات رخص الصيد وينظّم حيازة الجوارح. وتتباين المتطلّبات والمواقف تجاه الصقّارة تباينًا كبيرًا من محافظة إلى أخرى — فبعضها يدعم الصقّارة التقليدية بفاعلية، بينما لدى غيرها خبرة محدودة في معالجة الطلبات المتّصلة بالصقّارة.

امتحان رخصة الصيد

لممارسة الصقّارة بصفة قانونية في اليابان، يجب أن تحمل رخصة صيد سارية (狩猟免許). ويغطّي الامتحان التعرّف على أنواع الحياة البرّية، ولوائح الصيد، وسلامة الأسلحة النارية (حتى بالنسبة إلى الصقّارين)، وأخلاقيات الصيد. ويُعقد الامتحان باللغة اليابانية فقط، وهو ما يمثّل عائقًا كبيرًا أمام غير الناطقين بها. والنجاح في الامتحان يمنح حقّ الصيد لكنّه لا يجيز تلقائيًّا حيازة الجوارح — إذ تلزم تصاريح منفصلة لأسر الطيور الجارحة والاحتفاظ بها.

الأنواع المحميّة

تُصنَّف أنواع كثيرة من الجوارح في اليابان محميّةً أو مهدّدة بالانقراض بموجب قوانين الحياة البرّية الوطنية وقوانين المحافظات. وقد رُفع الباز الشمالي (オオタカ) من سجلّ الأنواع المهدّدة بالانقراض في اليابان عام 2006، ما جعله أيسر منالًا للاستخدام في الصقّارة. أمّا أنواع مثل عقاب الجبال الشاهق (クマタカ) فلا تزال محميّة، واستخدامها في الصقّارة مقيّد بشدّة أو ممنوع تمامًا بحسب المحافظة.

الفروق الرئيسية عن النظام الأمريكي

خلافًا لنظام التصاريح الأمريكي المنظّم بفئاته الثلاث — المتدرّج (Apprentice) ← العامّ (General) ← الخبير (Master) — لا يوجد في اليابان مسار ترخيص مخصّص للصقّارة. فلا يوجد شرط رسمي لكفيل أو مرشد، ولا قيود متدرّجة على الأنواع بحسب مستوى الخبرة، ولا عملية تفتيش موحّدة للمنشآت. ويعتمد النظام الياباني أكثر على النقل الثقافي عبر مجموعات الصقّارة الراسخة، وأقلّ على البنية التنظيمية. وهذا يعني أنّ عتبة الدخول تتوقّف إلى حدّ بعيد على العثور على ممارس قائم مستعدّ للتعليم — فشبكة الإرشاد غير الرسمية هي حارس البوّابة الحقيقي.

مهمّ: تحدّيات عملية

تنطوي ممارسة الصقّارة في اليابان على تحدّيات كبيرة لغير المواطنين أو لغير الناطقين باليابانية. فامتحان رخصة الصيد باليابانية فقط، ولوائح المحافظات ليست مترجمة على نحو متّسق، والعثور على مرشد يتطلّب صلات داخل مجتمع الصقّارة الياباني. وإن كنت مهتمًّا بتعلّم الهويوجوتسو، فأفضل نقطة انطلاق هي التواصل مع Japan Falconry Association، أي الجمعية اليابانية للصقّارة (日本放鷹協会) — إذ يمكنها أن تصلك بممارسين في منطقتك وأن تنصحك بشأن الإجراءات التنظيمية.

الأنواع المستخدمة في الصقّارة اليابانية

تستعين الصقّارة اليابانية بعدّة أنواع من الجوارح، بعضها مشترك مع التقاليد الغربية وبعضها الآخر خاصّ بالممارسة في شرق آسيا.

الباز الشمالي (オオタカ)

حجر الأساس في الصقّارة اليابانية منذ أكثر من ألف عام. ويُعدّ الباز الشمالي طائر الهويوجوتسو المثالي، يُقدَّر لقوّته وذكائه وتعدّد استخداماته. وقد طوّر الصقّارون اليابانيون تقنيات تدريب بالغة الدقّة خاصّة بالبواز الشمالية، تناقلتها الأجيال عبر قرون من الممارسة.

اقرأ ملفّنا الكامل عن الباز الشمالي ←

الشاهين (ハヤブサ)

استُخدم في الصقّارة اليابانية منذ فترة Heian، وخاصّة في صيد الطيور المائية. وقد جعل انقضاض الشاهين المذهل منه المفضّل لدى الصقّارين الأرستقراطيين الذين كانوا يقدّرون البعد الجمالي في الصيد.

اقرأ ملفّنا الكامل عن الشاهين ←

عقاب الجبال الشاهق (クマタカ)

أشهر عقبان الغابات في اليابان، ويمثّل عقاب الجبال الشاهق ذروة التحدّي في الصقّارة اليابانية. واستخدامه مقيّد بشدّة بسبب وضعه الحمائي، لكنّه يحمل دلالة ثقافية عميقة في تقاليد الجوارح اليابانية.

اقرأ ملفّنا الكامل عن عقاب الجبال الشاهق ←

الباشق الياباني (ハイタカ)

باز تقليدي للطرائد الصغيرة، يُقدَّر لرشاقته في التضاريس الحرجيّة. وقد استُخدم الباشق في الصقّارة اليابانية على مدى قرون، وخاصّة في صيد الطيور الصغيرة داخل غابات Honshū الوسطى الكثيفة.

اقرأ ملفّنا الكامل عن الباشق الياباني ←

العوسق الشائع (チョウゲンボウ)

أيسر الأنواع منالًا للمبتدئين في الصقّارة اليابانية. ورغم أنّه أقلّ مكانةً من الباز الشمالي، يوفّر العوسق الشائع مدخلًا سهلًا لمن يتعلّمون التقنيات التقليدية.

اقرأ ملفّنا الكامل عن العوسق الشائع ←

الجمعيات والمجتمع

Japan Falconry Association — الجمعية اليابانية للصقّارة (日本放鷹協会)

الجمعية الرئيسية التي تحفظ الصقّارة اليابانية التقليدية وتروّج لها. وتدير JFA برامج تدريبية، وتنظّم عروضًا، وتقوم بدور نقطة الاتّصال الأساسية لكلّ من يهتمّ بالهويوجوتسو. وقد أدّت دورًا محوريًّا في ترشيح اليابان لدى اليونسكو.

زُر موقع JFA ←

SUWA Falconry Preservation Society — جمعية صون الصقّارة (諏訪流放鷹術)

تحفظ SUWA Falconry Preservation Society أسلوب Suwa في الصقّارة (諏訪流放鷹術) وتُعلّمه، وهو أحد أعرق سلاسل الصقّارة الموثّقة في اليابان. وتدرّب الجمعية صقّارين جددًا عبر برنامج تدرّج مفتوح للجميع بصرف النظر عن الجنسية أو العمر أو الخبرة السابقة. كما تعمل على تأسيس أوّل متحف مخصّص للصقّارة في اليابان (鷹狩博物館) وعلى ترميم أراضي الصيد التقليدية بالبواز (御鷹場).

زُر موقع SUWA Falconry ←

المجموعات الإقليمية

تنشط عدّة مجموعات صقّارة إقليمية في أنحاء اليابان، وخاصّة في محافظات Aichi وShizuoka وNagano حيث حوفظ على تقاليد الصقّارة من دون انقطاع. وكثيرًا ما ترتبط هذه المجموعات بروابط تاريخية عميقة بسلالات صقّارة بعينها تعود إلى عصر Edo.

كيف تتواصل

أفضل سبيل للتواصل مع ممارسي الصقّارة في اليابان هو عبر JFA أو بحضور العروض العامّة للصقّارة التي تُقام في مهرجانات ثقافية ومعابد مختلفة على مدار العام. كما أنّ لعدّة جامعات برامج بحثية في الصقّارة ترحّب بالاهتمام الدولي.

الفعاليات والعروض

تُقام عروض الهويوجوتسو العامّة في كبرى المعابد والفعاليات الثقافية في أنحاء اليابان، وخاصّة خلال موسم الصيد الخريفي. ومن أشهرها مهرجان الصقّارة السنوي في Hamamatsu والعروض التي تُقام في قلعة Nagoya. وتتيح هذه الفعاليات فرصة ممتازة لمشاهدة التقنيات التقليدية ولقاء الممارسين النشطين.

أهمّ النقاط

  • للصقّارة اليابانية (放鷹術) تاريخ موثّق يتجاوز 1,600 عام، وقد اعترفت بها اليونسكو منذ عام 2010
  • الباز الشمالي (オオタカ) هو الطائر المحوري في تقليد الصقّارة اليابانية
  • تعتمد اليابان نظام تصاريح على مستوى المحافظات ضمن قانون الصيد العامّ — من دون فئات ترخيص مخصّصة للصقّارة كما في الولايات المتّحدة
  • امتحان رخصة الصيد باللغة اليابانية فقط، وقد يكون عائقًا كبيرًا
  • العثور على مرشد عبر Japan Falconry Association هو أهمّ خطوة أولى

شكرًا لاهتمامك بالصقّارة اليابانية

بنينا FalconryLab لخدمة الصقّارين في كلّ أنحاء العالم. فإن كنت تمارس الهويوجوتسو أو تهتمّ بتقاليد الصقّارة اليابانية، يسعدنا أن نسمع منك.

ساعدنا في تحسين محتوانا الياباني